علي بن محمد بن عباس ( أبي حيان التوحيدي )
7
الصداقة والصديق
يحمل ذلك في ثناياه من أسباب العطب وإذلال الكرامة فيلجأ أصحاب العقول الكبيرة الممتازة إلى العزلة واجدين فيها أمنا وهدوءا وسلامة وسلوى تساعدهم على العمل والتفكير والتأمل والإنتاج . ب - إن العرب عرفوا في بدء العصر العباسي الأول تراثا ضخما نقلوه عن الأمم القديمة إلى العربية فأمعنوا فيه درسا وشرحا وتفهما مدفوعين بقوة الاستمرار والتسلسل فكان ذلك زادا تناوبته العصور القادمة وخميرة أفادت منها عبر التاريخ . ج - كانت بغداد ، قبل انهيارها ، مركزا للإشعاع العلمي والسلطان السياسي في مملكة مترامية الأطراف ، وقبلة أنظار روّاد المثالة والشهرة والغنى والتفوق والمغامرة من الشعراء والأدباء ، فلما دبّ الانقسام واستقلّت الأقطار ، تعدّدت المراكز العقلية وأصبح كل قطر عاصمة صغيرة يحاول أولو الأمر فيها تقليد خليفة بغداد وبلاط بغداد في تقريب أهل الفكر ، وإحاطة أنفسهم بكل مظاهر الملك وأبهة السلطان ، بل لقد دبّ الحسد فيما بين هؤلاء الأمراء فصاروا يتنافسون ويتفاخرون بمن عندهم من أرباب العلم والأدب كما كان أدباء وعلماء كل قطر يساجلون زملاءهم ويفخر بعضهم على بعض . حتى الأعاجم من الأمراء أحاطوا أنفسهم ، بدافع التقليد ، وعلى جهلهم العربية ، بالعلماء والأدباء ، ولا أدلّ على ذلك من المثال الذي رواه الصولي في كتاب الأوراق ، أخبار الراضي والمتقي ص 194 - 195 عن بجكم التركي فقد كان هذا بواسط ، وكان الصولي من المقرّبين إليه ، وكان بجكم أعجميا « يعرف العربية ولا يجسر على التكلم بها » ، وكان يقول عن نفسه : « أخاف أن أتكلم بالعربية فأخطئ في لفظي ، والخطأ من الرئيس قبيح » ، وقد استدعى الصولي إليه يوما وقال له معاتبا : إنّ أصحاب الأخبار رفعوا إليّ لما طلبتك من المسجد ( وكان الصولي في المسجد ) أنهم